الأنصاري و أطروحة العالم الوارث

أكتوبر 9th, 2008 كتبها مصطفى بوكرن نشر في , مراجعات كتب

                     الأنصاري و أطروحة العالم الوارث 

 

مصطفى بوكرن: يمكن اعتبار الدكتور فريد الأنصاري،أحد أساطين الدراسات المنهجية في العلوم الشرعية بالمغرب ، فهو لا يصدر إلا عن نموذج منهجي يقتفي أثره في معالجة القضايا الشرعية و الدعوية ، و كتاباته شاهدة على ذلك ، حيث لا تخلو من التحليل المنهجي ، تقديما و مناقشة و استنباطا، و كتاب أبجديات البحثيبرهن بجلاء على شخصيته المنهجية التي يتمتع بها، فضلا عن أن الكتاب يعد مرجعا أساسا لطلبة العلوم الشرعية في إعداد البحوث العلمية  وفق منهجية متأصلة، شيد الكاتب معمارها النسقي انسجاما مع بنية العلوم الشرعية، ليضيف لبنة  في صياغة عقل الباحث الإسلامي الطامح إلى النبوغ و الريادة العلمية.

    إذا كان كتاب أبجديات البحث في العلوم الشرعية للدكتور فريد الأنصاري يرسم منهج البحث ، فإن كتاب مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية الذي نحن بصدد قراءته، يرسم منهج تكوين طالب العالمية، فهو الكل الجامع للباحث في العلوم الشرعية و الطالب للعالمية ، و كتاب أبجديات البحث هو فرع لهذا الكل، مما يعني أن الأنصاري يؤسس لرؤية متكاملة لما ينبغي أن يكون عليه الباحث في العلوم الشرعية في أفق التحقق بصفة العالمية. 

  إطلالة تعريفية بالكتاب 

   الكتاب هو رسالة بعنوان:مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية دراسة في مفهوم العلم و صفة العالمية وظيفة و برنامجا، من خلال وصية لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت:474هـ) إلى ولديه، و هي رسالة علمية تربوية وصفها الأنصاري بكونها : »ورقة مرجعية في منهج تخريج العالم الوارث الذي يكون سببا في تجديد الدين، و إعادة بعث الأمة، و إحياءها بإذن الله «  ص:25 

   جاءت هذه الرسالة في مقدمة، و أربعة فصول، و خاتمة. الفصل الأول في الإمام أبي الوليد الباجي و وصيته، و الثاني: في بيان العناصر الأساسية لوصيته، و الفصل الثاني: في محاولة تحديد مفهوم العالم و العالمية ، و الفصل الثالث: في بيان الأصول الأربعة للعلوم الشرعية ، و الفصل الرابع في محاولة وضع برنامج تكويني للعالمية. ثم خاتمة .

و الرسالة من منشورات رسالة القران رقم 1 الطبعة :1427- 2006  

في توصيف القضية الإشكال

  يحرر الأنصاري في مقدمة مفهوم العالمية إشكالية الكتاب التي يهدف إلى معالجتها قائلا:  لا أحد يماري في أن الأزمة الحقيقية الواقعة في الشأن الديني و الدعوي اليوم إنما هي أزمة علم بما لكلمة علم من دلالة قرآنية شاملة : » إنما يخشى الله من عباده العلماء «  فاطر:28 ،القضية أن معاهد تكوين العلماء في الأمة اليوم قد أحيط بها محاصرة؛ مادة و منهاجا؛ فعجزت أن تخرج العالم الوارث، بما يتخرج على قول النبي صلى الله عليه وسلم : » إن العلماء ورثة الأنبياء « ص:35.

هذا التوصيف يتوزع إلى إشكاليتين:

الأولى في المفهوم حيث التبس مفهوم العلم بالتباسات مفاهيمية نأت به عن مفهومه القرآني الشرعي ، فارتمى على العالمية كل من هب و ذب دون أن يتحقق بأوصافها وشروطها ، فانعكس هذا على أخطر وظيفة دينية ألا و هي الإفتاء.

الثاني : في التنزيل ؛ و المقصود به أن معاهد تكوين العلماء حوصرت منهجا و مادة، و هذا معلوم سواء كان بتدخل أجنبي أو نفوذ بعض التوجهات الرافضة للتعليم الشرعي ، فكان لهذا نتيجة كارثية؛أن هذه المعاهد شردت عن وظيفتها الأساسية و المتمثلة في تخريج العلماء.

   هكذا يحرر الأنصاري قضية الكتاب؛ قضيته إجابة عن إشكال في مفهوم العلم و عن إشكال في تخريج العالم المنشود .

  و يجدر التنبيه في هذا السياق إلى أن الأنصاري مدرك للواقع العلمي المتعلق بالشأن الديني الشرعي، و مرد ذلك يرجع إلى الوظائف العلمية التي يشغلها؛ منها أستاذ التعليم العالي في الدراسات الإسلامية، ورئيس المجلس العلمي لمدينة مكناس، كما أنه مستوعب لسياق إصلاح الشأن الديني بالمغرب بكل مستوياته العلمية و الدعوية و التربوية، مما يعني أن إشكالية كتابه متولدة عن ما عايشه  بالممارسة أو المشاركة .

   الحق ، أن الأنصاري غرد خارج سرب النقاش العام في ما له علاقة بالعلم و العلماء، و المتمركز في النقاش الهيكلي و التدبيري، إضافته هي طرح لرؤية تتجاوز الأزمة وفق رؤية منهجية متماسكة، ولم تغوه المشاركة بتصريحات صحفية يهدف من خلالها إلى تسجيل المواقف، بل تجاوز حرارة الأخبار الساخنة  إلى التأصيل و التقعيد و وضع القضايا في  إطاراتها الكلية ، ولم ينخرط في النقاش التدبيري و الهيكلي لوظيفة العلم و العلماء ، بل أراد بعث الحياة في هذه الهياكل وإعطائها المعنى الحقيقي تأصيلا و منهجا. 

في الأسباب و الدواعي  

 الناظر في الأسباب الداعية إلى كتابة الرسالة كما يبينها الأنصاري، يستنتج أن الرسالة  موجهة إلى ثلاثة جهات أساسية ؛أولا: معاهد تكوين العلوم الشرعية و بالتحديد المؤسسات الجامعية ، ثانيا:المتخصصين في العلوم الشرعية من أبناء الحركة الإسلامية الذين أغوتهم الزعامة و النجومية ، ثالثا:الطلبة العلوم الشرعية الطامحين إلى التحقق بصفة العالمية .

 و الحاصل من هذا، أن الأنصاري يقر بفشل معاهد التكوين لتخريح العلماء حيث يقول: » انقطاع تدريس العلم الشرعي على وجهه الحقيقي ؛ بما أدى إلى انقطاع تخرج العلماء بالمفهوم الأصيل للكلمة « ص:6 ، كما أنه يقر أن الحركة الإسلامية لا يتزعمها العلماء وفي الآن نفسه لا تخرج العلماء ليخلص إلى نتيحة هي : » ألا وإن كل عمل إسلامي لا يتصدره العلم الشرعي، و لا يؤطره علماء الشريعة فهو باطل باطل ! ولن يقود إلا إلى المهالك و الضلال ! «  ص:9،ثم إن الأنصاري ليس له من أمل علمي سوى في طلبة العلوم الشرعية و الطامحين للعالمية و لذلك استجاب لطموحهم قائلا: » إلحاح الطلبة علي بوضع برنامج تكويني في مجال العلوم الشرعية ، يراعي أفضل الطرق وأجداها للتحقق بوصف العالمية«  ص:13 كان هذا من الأسباب الداعية للتأليف,

 إن أمل الأنصاري ينسجم مع أطروحة مشروعه في الفطرية ، حيث اعتبر أن الإمامة العلمية  أحد معالم التجديد الفطري ، و التحقق بهذه الإمامة سبيله التنظيم الفطري الذي يصفه: » بأنه عمل دعوي يجمع بين التلقائية و بين التوجيه ، كما أنه يجمع بين البساطة و بين العمق، و هو عمل تعبدي بذاته، و مسلك إيماني بطبيعته « الفطرية:ص 202 ، و نبه إلى أن الذين تصدروا للإمامة العلمية في الأمة من أبي حنيفة و مالك و الشافعي و احمد هم خريجوا هذا التنظيم، و لذلك فهو لا يقترح مشروعه هذا على معاهد التكوين الرسمي أو على الحركة الإسلامية ،

المزيد