
القيم و التدين بالمغرب: بين الدراسة السوسيولوجية و الممارسة الدعوية
مصطفى بوكرن
نظرا لما تعرفه البشرية جمعاء في زمن العولمة و الثورة الرقمية من تطورات عميقة تطال منظومة القيم الاجتماعية هادفة إلى صياغة نماذج سلوكية قيمية بمضامين و معاني تختزل و تغتال المرجعية النهائية للإنسان على حد تعبير الدكتور المسيري ، من هذا المنطلق يبدو أن الحاجة إلى فهم و سبر أغوار هذه التحولات تحتاج إلى تظافر كل الجهود و الإمكانيات للإفادة من البحوث العلمية التي تعكف على البحث في مجال القيم، تكون الخلفية الأساسية لمشاريع العمل الدعوي في الحقل الإسلامي بالمغرب ، تحققا بمعنى الآية الكريمة :" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني " فالدعوة إلى الله هي عيش مع الله و في الآن نفسه عيش مع الناس ، لا تكفي الأذواق الإيمانية و اللطائف العرفانية لتغيير الأنماط العقلية و السلوكية للمجتمع و تكسب الفرد المسلم قيم الإسلام الهادية ، بل إن هذا العمل يحتاج إلى مؤسسات عمل تمتح من معطيات البحوث الاجتماعية العلمية التي تجلي واقع الناس من منظور علمي سليم ، حتى نستطيع أن نخاطب الناس بلسانهم أو بتعبير حسين فضل الله أن نمتلك مفردات التفكير و وسائل التعبير المؤثثة لذهنية المخاطب .
ولهذا ليس من الرشد أن تطغى على العمل الدعوي الإسلامي الإنطباعات و الأحكام الجزافية في التخطيط و التنفيذ و التقييم ، ويغلف هذا العمل بنظر قاصر يتمركز على معاني البركة و التوفيق – التي لا ننكر أهميتها- في إغفال تام لمحورية البعد العلمي الميداني المستوعب للبنى المتحكمة في منظومة القيم ، فينتج هذا العمل رؤى لا زمانية و لا مكانية كما يقول امحمد جبرون حين نقده للرؤية الدعوية لحركة التوحيد و الإصلاح في كتابه المعرفة الإصلاحية ، حيث يؤكد أن مثل هذه الأوراق الموجهة للفعل الدعوي ينبغي أن تستند على بحوث سوسيولوجية لواقع القيم و التدين في المجتمع المغربي .
إن المؤسسة الدعوية قد ضخمت من الوظيفة الفردية للداعية ، وجعلت بالغ همها في تمليكه لمهارات و تقنيات التواصل و التأثير في الناس ، منبهرة بنماذج دعوية تصنع الخطاب لكنها لا تصنع القيم ، أو بمعنى آخر تنساق وراء الرواية دون أن تبلغ درجة الرعاية ، الوظيفة المركزية للخطاب الدعوي ، فأغفلت الميدان موضوع الدعوة ومجال اشتغالها، معولة على عبقرية دعاتها البيانية و مستسلمة لموسوعيتهم الموهومة ، و كأن الداعية يظن نفسه أنه عالم اجتماع أو عالم نفس فيدخل البيوت من غير أبوابها.
فنظرا لأهمية فقه الواقع المؤسس على العلم و الخبرة ، ونظرا لأهمية العلوم الإنسانية في مشاريع الإصلاح و على الأخص العلوم التي تبحث في القيم و المعتقدات بمختلف فروعها ، ينبري على ساحة التحليل سؤال محوري : كيف نستثمر المعطيات العلمية الميدانية في مجال القيم استثمارا دعويا ينسجم مع الرؤية العامة للمشروع الإسلامي ؟ أو بصيغة أخرى كيف ننتقل من المدارسة العلمية الأكاديمية إلى الممارسة العملية الإصلاحية ؟
من المفيد أن نأخذ نموذجا يبين بجلاء هذا الإشكال المنهجي ، و هو دراسة سوسيولوجية لواقع التدين بالمغرب ، للدكتور عبد الغني منديب أفرد لها كتابا تحت عنوان " الدين و المجتمع – دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب- طبعة 2006 .
و الشاهد عندنا في هذا الكتاب ، تبيان البنية المتحكمة في ميدان البحث السوسيولوجي و المعالم الكبرى التي يرتكز عليها ، و مدى انطباقه على من















