فقراء يعشقون كرة المضرب

يونيو 12th, 2008 كتبها مصطفى بوكرن نشر في , المغرب الذي زرت

فقراء يعشقون كرة المضرب

مصطفى بوكرن

foshaton@hotmail.fr

 مصطفى كاوكاو ؛ التقيته السنة الماضية في مثل هذا التوقيت ، الذي يوافق إرهاصات دخول الصيف بأشعته الحارقة ، من على شرفة الحي الجامعي فاس ، رأيت مجموعة من الطلبة وقد تحلقوا في ساحة ذات أشجار عالية ، أرغمني الفضول للذهاب لأرى ماذا يجري هناك ، أسمع صرخة حادة ، ظننت أن لاعبا للكرة أصيب، عند وصولي للساحة تفاجأ بما ترى عيني ، شابان يلعبان كرة المضرب ، فجلست أشاهد ما يجري ، تنافس حاد بين اللاعبين ، صرخات و انفعال من كلا الطرفين ، و كأنهما في منافسات دولية ، نظرت إلى ارضية الملعب ، تراب رطب و حجارة صغيرة متناثرة في أرجاء الملعب، في وسطه شبكة سوداء قديمة ممزقة في بعض من خيوطها ، حدود الملعب و خطوطه الداخلية مرسومة بالجبس ، اجتاحتني ابتسامة عاصفة ، شاب يجلس على كرسي حديدي مثبت في جدع شجرة يتوسط الملعب ، يمسك صافرته ، إنه الحكم .. بحثت عن مكان جلوس اللاعبين ، فلم أجد سوى كرسي واحد ، ليس بالقرب منه قنينة عصير و لا سلة بنان أو تفاح ، وإنما فقط قنينة ماء مملوءة ، لا يهدأ الجمهور من التصفيق و التشجيع ، عند انطلاق الكرة يسود الملعب الصمت و الهدوء ، اللاعب الذي هو على جهة اليمين شاب طويل القامة نحيف البنية ، و اللاعب الذي على يسار الملعب شاب معتدل القامة متوسط البنية ، الأول يدرس في المستوى الثانوي و الثاني سائق طاكسي ، كلاهما من حي ظهر المهراز الصفيحي . انتهت المبارة بفوز الأول ، فتصفحا وحيا بعضهما البعض، سلمت على مصطفى كاوكاو، و مازحته بخسارته اللقب ، عرفته بنفسي ، فرحب بي ، وبدأ يحكي تجربته مع كرة المضرب و هو ابن الحي الفقير ، حي ظهر المهراز بفاس، فهو مند أن كان شابا في مقتبل العمر و هو يلعب المضرب في دروب حيه الصفيحي ، زملاؤه يلعبون الكرة ، و هو يلعب المضرب ، و كان هو أول من لعب كرة المضرب بهذا الحي الهامشي ، أساله عن سر تعاطيها لهذه اللعبة ، التي هي لعبة الأغنياء ، وأقول له هل تريد أن تكون كرة الضرب، كرة شعبية يمارسه الفقراء ككرة القدم ؟ يجيبني و الابتسامة تعلو محياه ، طبعا نحن نريد أن تكون هذه اللعبة ، لعبة الجميع و ليس حكرا على طبقة معينة ، يحكي لي مصطفى عن معاناته في البحث عن ملعب لائق للعبة ، أول ملعب لعب فيه المضرب ، حاصره أبناء حيه و طلبوا منه أن ينتقل لملعب آخر ، فانتقل إلى ملعب قريب من كلية الحقوق بفاس ، لكن هذا الملعب لم يرقه ، فاختار هذا الملعب الترابي ، ينفق من جيبه لشراء الجبس لتهيئة حدود الملعب، و شراء الكرسي الحديدي المثبت في الشجرة ، أما الشبكة فذهب إلى النادي الفاسي و قدمها له أحد حراس النادي ، بعد أن فقدت صلاحيتها و مزقت و أتلفت ألوانها . وعدت مصطفى أني سأنشر هذه التجربة في أحد الجرائد الوطنية، لكن لظروفي الخاصة لم أتمكن من نشرها، مرت سنة بالتمام و الكامل ، وضميري يؤنبني، بعدم الوفاء بما وعدت مصطفى ، و أنا جالس في مكتبي أخطط لبرنامج التجارب المثيرة التي سأنشرها على النت، تذكرت تجربة مصطفى مع المضرب ، فعزمت على أن تكون هذه القصة ، قصة هذا الأسبوع ، لكن وجدت ذاكرتي نسيت بعض المعطيات و كل ما صورته من صور ضاع مني لعطب في حاسوبي ، فقررت على أن أذهب مرة أخرى إلى الملعب لألتقي مصطفى ، وآخذ منه معطيات جديدة والتقط صورا حية. اخترت مساء يوم الاثنين الماضي ، و اتجهت إلى الملعب على مسافة تعبد عن منزلنا بعشر كيلومترات ، أحمل معي مذكرتي و مصورتي ، و عند وصولي للملعب ، سألت طالبا يجلس بالقرب من الملعب عن الشباب الذين يمارسون كرة المضرب ، فأجابني :” لايحضر الشباب لهذه الساحة للعب كرة المضرب”، ازدحمت علي الأسئلة ؛ هل انتقلوا إلى ملعب آخر ، أم اختاروا فترة أخرى من اليوم يمارسون فيها كرة المضرب ، أم يأتون للملعب في يوم آخر ؟ اقتربت من الشجرة التي علق بها الكرسي الحديدي للحكم ، فوجدت أن الكرسي تمت إزالته ، ولم يبقى في الملعب سوى سبورة سوداء اللون عبارة عن قطعة قصدير ، كتب عليها جدول صغير للتنقيط . بعد هذا اتجهت إلى الملعب الأول القديم ، و هو قريب من هذا الملعب الترابي ، عند وصولي ، رأيت شابين يلعبان المضرب، و في وسط الملعب مجموعة من الشباب ، وبالقرب منه شخص يكبرهم سنا اسمه عبد الكريم الخنشوفي ، يقف بحزم و يتحرك بخطوة بثبات و عطي بعض التعليمات لللاعبين ، سالت الشباب عن مصطفى كاوكاو ، فأجابوني أنه في العمل ، لما سمع عبد الكريم حواري مع الشباب ، طلب مني بلغة ذات نبرة قوية ، التعريف بنفسي ، فاستجبت له و أخبرته عن سياق مجيئي إلى هنا. و ه

المزيد


المغرب الذي زرت: مغرب للفقراء و مغرب للأغنياء

مارس 6th, 2007 كتبها مصطفى بوكرن نشر في , المغرب الذي زرت

                 المغرب الذي زرت: مغرب للفقراء ومغرب للأغنياء

بقلم : مصطفى بوكرن

            اليوم الثلاثاء 16يناير 2007.

   في هذا اليوم ، كان البرنامج زيارة حي المستشفيات ،استيقظت في الصباح وكل حماسة ، لأني كما يقول المغاربة "حيدت الدهشة " أصبحت متمرنا على مخاطبة كل الناس و مبادأتهم  بالحديث بابتسامة عريضة لعلها تجد من قلوبهم وقعا فيستجيبون لمجالستي ،لأنه من الصعب في المغرب في بعض الأحيان ، أن يقبل الناس باستطلاع آرائهم إلا في بعض الحالات التي لها وعي بقيمة الاستطلاع ، أما غالب الناس فهم يتخوفون من الاستطلاع و خصوصا في البوادي ، ولذلك كان لزاما علي أن أنهج جميع الوسائل المتاحة و التي استطيع أن أوظفها ..

 ركبت طاكسي حي المستشفيات من درب السطان ، و كانت وسيلة النقل عندي في هذا الاستطلاع هو الطاكسي الكبيرة ، لكن كنت أجد حرجا في بعض الأحيان من ركوب الطاكسي و خصصوا لما يكون الركاب من نوع النساء فضلا عن الفتيات ، أصل إلى المحطة   أقف أنظر إلى ركابه ف‘ن كان كلهم من " الرجال " أدخل إلى الطاكسي و آخذ مكاني منه ، أما إن كان النساء ، فإني أتخر في ركوبي " ولا كندير مناقص "و خصصوا إن كانوا أكثر من اثنتبن  ..

   وصلت إلى حي المستشفيات ، كنت أقول في نفسي قبل أن أعرفه ، هل هو حقا حي للمستشفيات أم ماذا ، و الحقيقة  ما رأيت في ذلك الحي سوى المرضى و الممرضات و الأطباء ، و سيارة الإسعاف أما سكان الحي فكلهم في العمل رجالا و نساء و ما بقي في البيت سوى الخادمات أو الأطفال أو العجزة ، جلت في هذا الحي و عرفت حدوده و امتداداته ، وسالت عن طبائع الناس هناك و عن مستوى معيشتهم ، فعلمت بعد هذا التقصي القصير ، إني في حي راق جدا " الدار فيه كدير 180 مليون " ، فهيئت نفسي على مخاطبة أصحاب الملايين ..

      المشط دائما بجيبي لا أتركه أبدا ففي درج العمارة آخذ مشطي و أقوم بتسريح شعري تسريحة سريعة ، و أمسح زجاج نظارتي ..، و أنا صاعد في درج العمارة أقول ماذا لو كان صاحب العمارة لا يتكلم سوى الفرنسية ، كيف سأتكلم معه و أنا "لا أقشر" في الفرنسية شيئا ، إلا ما أوتينا من كلمات تعلمناه من اللغة الإسبانية ، أو بعض المفردات الفرنسية المشهورة عند المغاربة " المرتبطة بالأكل و ما جاوره .." لكن ما أتفاجأ به هو أنا الذي أفرض لغة الخطاب ، أحاول أن أتكلم بالدارجة المغربية إلا أنني لا أستطيع أجد نفسي أتكلم باللغة العربية و كأني في مدرجي بالجامعة ، مما يضطر محاوري إلى أن ينقاد للغتي ، وهذا بالطبع ليس دائما ..

  هذا الحي ، يوجد فيه مشكل كبير هو أن بائعي وسائل النظافة و بعض متعلقات النساء ، لا يبالون "بالعساس" فيمرون كالبرق و كأنهم "من أهل العريس " ..فيصعدون إلى غرف الإقامة الواحد تلو الأخر ، هذا الفعل يقلق أصحاب الإقامة ، لأنهم كما يقولون هناك من سرق بيته وهناك و هناك.. فلا ثقة في كل من يصعد إلى الإقامة ، فيوبخون العساس شر توبيخ و يأمرونه  بأوامر حديدية لا رجعة فيها ، و عنوانها الكبير ألا أحد يصعد إلى الإقامة غير أهلها ..

   أريد الدخول إلى الإقامة فأجد "العساس" لي بالمرصاد أمام بابها ، فيأمروني بأمرين : الأول لا تدخل إلى العمارة و الثاني و لا تضغط على زر أي عمارة آو تهاتفهم ..لما أسمع منه ذلك ابتسم له و أقول له شكرا جزيلا ، أما هو فغير مبالي بما أفعل و لا بما أقول لأن مشاكل العمارة تعتمل في ذهنه …

 تعبت كثيرا في صباح هذا اليوم لم أملأ استمارة واحدة ، نظرا لمعاملة العساس " الطوبيسية " و الثانية أن سكان في الحي في شركاتهم ، ففكرت أن انتقل إلى حي آخر..

 استقليت طاكسي صغيرة واتجهت إلى سيدي بليوط و بالضبط إلى حي اسمه عرصة بن سلامة ، للأسف صاحب الطاكسي وصل بي إلى"السيد" سيد سيدي بليوط ، وظننت أن مكان الذي أريد قريب مني لأنه أشار لي ببنانه قائلا :

- راه الحي تامه غير دور وسول …

  و أنا ذهب

المزيد


المغرب الذي زرت : في سبعة أيام -1-

يناير 30th, 2007 كتبها مصطفى بوكرن نشر في , المغرب الذي زرت

                         المغرب الذي زرت : في سبعة أيام

                    -1-

        بقلم : مصطفى بوكرن

     أنا مغربي ، لكن لم أعرف المغرب حقيقة إلا بعد أن شاركت في احد الاستطلاعات التي أشرفت عليها أحد المؤسسات المتخصصة في  الاستطلاع مؤسسة rejjes  ، كانت لي تصورات عامة عن المجتمع المغربي عن شبابه و كهوله وشيوخه و نسائه و رجاله و أغنيائه  ، لكن لما نزلت إلى الميدان و استمعت و شاهدت بأم عيني ما يعيشه المجتمع المغربي و خصوصا في منطقة حساسة من المغرب وهي الدار البيضاء الكبرى بمجالها الحضري و القروي تبددت لي كل تلك التصورات التي كانت عندي من قبل ، شاركت في هذا الاستطلاع بالرغم من الالتزامات الدراسية التي كانت عندي في وحدة البحث و التكوين  بكلية الشريعة جامعة القرويين فاس ، لأني في الحقيقة اعتبرت أن هذا الاستطلاع من الاستطلاعات الناذرة التي يمكن أن تتاح لي في المستقبل ، و خصوصا أن هدف الاستطلاع يريد أن يستطلع وعي المغاربة من الناحية السياسية ، فتوكلت على الله و عزمت على خوض هذه التجربة المهمة في حياتي ، خصوصا و أن الميولات الصحافية جذبتني جذبا إلى أن لا أضيع  هذه الفرصة كما أن مدونتي مدونة الوعي المغربي في حاجة إلى أن تتميز موادها بمواد علمية ميدانية تقارب الحدث عن قرب ..

  ما سأكتبه سيكون في سبع حلقات ، كل يوم سأخصص له حلقة .

اليوم الأول :

الاثنين 15 يناير 2007 .

  استيقظت في الصباح الباكر صليت و تناولت فطوري ، لكن هذه المرة ليس مع أسرتي و إنما في " المحلبة " ، و كم هو صعب أن تدبر أمر المعيشة في مدينة الدار البيضاء ، فشتان بين ثمن المأكولات في فاس و ثمن المأكولات في الدار البيضاء ، ثلاثة دراهم فقط يمكن أن تشبعك في فاس ، أما في الدار البيضاء فعشرين درهما فما فوق ، ولذلك فأنا و أصدقائي قبل أن ندخل لأي محل لبيع المأكولات سواء منها الطازجة أو المطبوخة ، نحسب ألف حساب ، لكي لا نفاجأ بالثمن الذي يصعب علينا أداؤه ، فعندما نحل على أي محل نسأل في البداية عن ثمن كل شيء فإذا تبدى لنا أنه يلائم ميزانية جيوبنا نتوكل على الله و إلا ننصرف في هدوء تام ..

   بعد أن أكلت ما تيسر من وجبة الفطور توجهت إلى محطة الطاكسيات سائلا عن أول حي سأستطلعه أين مكانه ، و هو إقامة أندلسية بالمعاريف  ، و من خلال سؤالي للمارة تبين لي أن هذا الحي قريب من إقامتي فترجلت ذاهبا إليه  ، و ما أثارني هو أن البيضاويين لا يبخلون عليك بالإرشادات و مساعدتك لبلوغ المكان الذي تريده بشكل يدهش الغريب عن الدار البيضاء ، و في سيري أسأل الكبير و الصغير إلى أن وصلت ..

   أسئلة تتردد في نفسي ، كيف أتعامل مع الناس في هذا الحي الراقي ؟

هل سأستسيغ رفض المواطنين للاستطلاع ؟

هل سيرحبون بي ؟

طلقت كل هذه الأسئلة طلاقا بائنا ، و عززت ثقتي بنفسي ، وتوكلت على الله ، وأبعدت عن ذهني كل الأفكار السلبية ، و قلت في نفسي إن أهل المغرب كرماء طيبين ..

  بأي عمارة سأبدأ بهذه أم هذه ، بدأت بالعمارة الأولى ، و أنا صاعد في درج العمارة ، و أنا على أت

المزيد