أطفال بدون قلب
كتبهامصطفى بوكرن ، في 1 أغسطس 2009 الساعة: 22:04 م
في هذه الجولة الطويلة في موقع الفليكر المختص في نشر الصور، راقتني مجموعة متخصصة في تعقب صور الأطفال المغاربة ، وهي مجموعة إن تصفحت صورها تعطيك نظرة واضحة عن واقع الطفل المغربي، من الصور من تأخذ منك بسمة ومنها من تؤلمك، و من خلال التصفح بدت لي صورة " الطفل العامل" تتكرر بنسبة مقدرة تجاوزت عشر صور ، فتقرر لدي أن أكتب عن هذا الموضوع محاولا تبيان إمكانية الإعلام الجديد و دوره في الدفاع عن حقوق الطفل الإنسانية من الحق في العيش الكريم و الدراسة و الأمن و الأمان، و اخترت لهذا الغرض ثلاثة صور معبرة.
هذا الطفل ربما لم يتجاوز سنه العشر سنوات، وقفة توحي بشيء من التعب، يحمل طبق الحلويات بطريقة الباعة المحترفين، يرتدي سروالا أنهكه مسحوق الغسيل، يرتدي صندلا بلاستيكيا، هذا الطفل أحد باعة جامع الفنا بمراكش، إن اقتربت منه تسمع" الحلوة درهم " " الطراوة درهم"، أنت تنظر إلى بنيته الصغيرة، و هو ينظر إلى جيبك، لا يمل من المشي، لو أحصيت المسافة لكانت الكلومترات، يركض من اجل درهم أو درهمين، قد يشفق عليه مشتري فيعطيه أكثر من سومة الحلوة، وقد يترصد له منحرفو الشوارع الجوعى فيلتذذون بحلوياته و هو يبلع الألم، هذا في أحسن الأحوال، وإلا فإنه في أسوئها قد يكون فريسة للجوعى جنسيا من مغتصبي براءة الطفولة، و كيف يكون حاله عندما يداهمه لص في آخر اليوم وهو يعد دريهمات- الربح و رأسمال- في أحد أزقة المدينة.
قدر هذا الطفل أن يكون معيل أسرة قبل أوانه، قد ينتظره عند المساء أب مريض مرضا مزمنا، أو أما غادرها شريك حياتها، صحيح أن هذا الطفل يدخل الحياة من أوسع أبوابها باب المال و التجارة، فيكتشف طبائع الناس، فيكبر قبل أقرانه، تراه حار النفس، دقيق الخطوات، عينه على المآلات، لكن في المقابل بنيته النفسية و العاطفية قد تكون خالية من معاني الحب و الرحمة و العطف و الحنان، لأنه رمي به في واقع الكبار و الراشدين، المليء بالأحقاد و الأمراض النفسية ، متى سيلتحق هذا الطفل بالمدرسة، وإن التحق بالمدرسة هل ستقنعه المعلومات التي يتلقاها من معلميه وهو يرى واقعه الأليم، هل حكم على نفسه بالتعب مند نعومة أظافره، ماذا سيكون جوابه لو قلنا له عليك أن تحب وطنك الجميل..
إنه الهدر لكل قيم الحب و العطف و الحنان الذي هو في أشد الحاجة له و هو في هذا السن الدقيق من مراحله العمرية النمائية..
هذه الصورة تذكرنا برجل في الأربعينيات من عمره أجهده العياء في ورشة البناء، أسند ظهره للحائط وانكب على قضم خبزة محشوة بسردين مع مشروب الكوكا كولا ، لكن هذا الطفل وإن شابه الرجل الأربعيني، إلا أنه لم يتوار عن أعين الناس بل هو في ساحة السياح من الداخل و الخارج في جامع الفنا، وكأن لسان حاله يقول تعبت من عمل شاق طلية الصباح، وأنا أتناول و جبة الغذاء، ولتشهد يا عالم أنني مغربي مائة في المائة ..
الخبير بساحة جامع الفنا، يعلم أن الأطفال لهم الحضور البين على كل المستويات، سواء كمشتغلين عند باعة المأكولات، أو مسخرين من طرف مجموعات التسول المنظمة ، أو لهم مشروعهم الخاص بدعم من أبويهم، وأمور أخرى قد تكون في مقدمتها الاستغلال الجنسي..
هذه الصورة معبرة حقا عن الواقع المعيش للطفل المغربي، هناك أطفال مغاربة "وليدات لفاش كيري" ، لا يتناولون أي وجبة كيفما كان نوعها، فالأمر مدروس ؛ نوعية الفيتامينات و البروتينات، ثم وقت الأكل من الصباح إلى المساء، و مكان الأكل إن كان في البيت فهو صالة الأكل المعدة لذلك، وإن كان خارجه في مطعم مصنف، أما صديقنا هذا فقد افرتش قطعة ورق غليظ وأسند ظهره لبرميل، وشرع يقضم الخبز المحشوة ؟ ، واقترب بأنفه وفمه من أحذية المارة..
بيع السجائر قد تكون حرفة مارسها جميع أطفال الأحياء الشعبية بالمغرب، و صدحوا ملء حناجرهم في المقاهي و السويقات " كارو ديطاي "، وعرفوا جميع أنواع السجائر، و اكتشفوا من خلال هذه الحرفة أصناف المدخنين، و قد يكون الواحد منهم زج بنفسه في بيع سجائر " الكونتربونت"، فيتحول إلى فأر يلاحقه قط " الريجي طابا "، و قد تكون العقوبة مؤلمة له، و نعلم أن بيع السجائر يكون مع بيع لفائف المخدرات، ففي هذا المشهد المركب يعيش أطفال مغاربة و يتربون على قيم مدمرة لبنيتهم النفسية ، الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى أن يتعلم قيم المساهمة في البناء الإيجابي، يحتاج إلى أن يعيش في جو الأمن و الأمان و السكينة، لا أن يعيش جو الملاحقة البوليسية مند طفولته، و الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى أن يتعلم أن الغاية لا تبرر الوسيلة، فهو لما يبيع السجائر لا ينظر إلى النتائج، فالأهم عنده هو أن تسمك يده الدرهم و الدراهم..
و الغريب؛ أن هناك الطفل البائع المتجول و هناك الطفل الذي اتخذ من رأس دربهم مكانا لترويج سلعته مع بيعه للحلويات، و الأغرب هو أن من الأطفال من يبيع السجائر في فترة العطلة المدرسية لتوفير مال لشراء لوازم المدرسة و الملابس الجديدة عند الدخول المدرسي، بل منهم من يمد والديه بما تيسر من أرباح بيع السجائر، و كأن لسان حاله يقول بيع السجائر في خدمة التنمية المدرسية ، فرق بين تلميذ قضى صيفه في الاستجمام و الاستعداد للسنة الدراسية المقبلة ، و تلميذ قضى صيفه في بيع السجائر أو مسح الأحذية ..
إن هذه الصور وغيرها كثير، توحي إلى أن بعض أطفال المغرب لا قلب يحن عليهم و لا قلب يعطف عليهم، فيرضعوا قيم الحب و العطف و الحنان في أهم مرحلة من عمرهم، هذه القيم هي الغذاء الأساسي لهم، و إن لم يرتووا بها في هذه المرحلة النمائية فلا تدارك لذلك في باقي مراحلهم، إن الواقع المغربي مليء بمشاهد اجتماعية تحتاج التنبيه إليها قصد مناقشتها و محاولة الوقوف على حدودها و التفكير فيها، من هنا يبدو لي أن الإعلام الجديد قد يلعب دورا مهم في عملية الكشف، و خصوصا إذا ما أصبح المواطن المغربي في المناطق المهمشة يعي الطريقة الراشدة في توظيف الإنترنت لنقل معاناته اليومية ، و بهذا يكون قد انتقل من الدهشة الرقمية إلى التوظيف الراشد للتقنية الجديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نيو ميديا | السمات:الطفل الطفولة flickr إعلام جديد تدوين مدونات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























أغسطس 1st, 2009 at 1 أغسطس 2009 10:40 م
يا سيدي هذه الحال نجدها في معظم البلدان العربية و قد نجدها في بعض المناطق المشبعة بالنفط , حين تتركز عصارة الشعوب بين يد الأقلية يكون المصير كمصير شجرة هجرها الماء لتبقة وحيدة تنتظر أوان القطع.
أغسطس 6th, 2009 at 6 أغسطس 2009 12:44 ص
صحيح أخي أحمد لمايكون الاستبداد يسود التهميش و الفقر