أبناؤنا و لغة " خالي عمارة "

كتبهامصطفى بوكرن ، في 18 أكتوبر 2006 الساعة: 05:04 ص

                           أبناؤنا و لغة " خالي عمارة "

                    بقلم : مصطفى بوكرن

  لم تبق إلا أياما معدودة و يودعنا شهر رمضان المبارك ،  و يسدل الستار على البرامج الفكاهية التي تقدمها القناة الثانية  " دوزيم" بعد الإفطار مباشرة طيلة شهر الصيام ، بداية من الكاميرا الخفية إلى سلسلة "خالي عمارة" التي بطلها في هذه السنة الفنان "لخياري" صاحب شخصية " المخنتر" الذي انهال على المغربة و أطفالهم بترسانة من الألفاظ الرديئة الصيغة و المعنى ..

 كتب الكثير عن فكاهة رمضان التي عرضتها قناة عين السبع ، وكانت الكتابات في أغلبها عامة ، إلا أنني ارتأيت أن أخصص الحديث عن سلسلة " خالي عمارة " متأملا في اللغة المستعملة في هذه السلسلة و التي من إبداع " لخياري " و أثرها على أبناء المغرب  من جهة تفكيرهم و سلوكهم اليومي ..

  الضحك والفكاهة أمر محبوب لدى النفس ، إذ بذلك تنتعش و تستريح لتتقوى على العمل المثمر في الحياة ، ولذلك فابتسامتك في وجه أخيك صدقة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذا لمن كانت ابتسامته نابعة من ذاتيته ، فما هو  أجر من أدخل الابتسامة على النفوس و أشاع الألفة و المحبة بين المبتسمين  ونفض على وجوه المكتئبين غبار العبوس القمطرير ؟

  كل المغاربة يتذكرون مواقف الفنان الكبير - عبد الرؤوف - الجميلة المضحكة ، و التي يستدعيها كثير من المغاربة  كاستشهادات مؤكدة لما يريدون تأكيده  في حديثهم مع الناس ، وفي بعض الأحيان تسمع من المغاربة يقولون في جلساتهم " كيما قال عبد الرؤوف " ويذكرون بعض المعاني الجميلة المفيدة التي تسهم في بعث المحبة و الألفة فيما بينهم ..

 لكن لما تأملت في سلسلة " خالي عمارة" قلت :  ماذا سيقول أبناؤنا وشبابنا في جلساتهم وتجمعاتهم بعد انقضاء هذه السلسلة ؟ هل سيذكرون " الفنان لخياري" بسوء أم بخير ؟    

       لابد أن نؤكد أن اللغة ليست وعاء أجوف بل داخله فكرا و ثقافة وهوية وإحساسا و  يمثل الحصيلة الحضارية لأمة من الأمم ، فما كان يقوله " لخياري" في هذه السلسلة ليست كلمات مرسلة في الهواء وإنما هو فكر وتصور  لمواطن مغربي يعيش في أسرة مغربية ، كيف يرى علاقته مع أفراد الأسرة و أبناء الحي  على حسب الدور الاجتماعي الذي يمثله ؟

  فالكلمات التي قالها "لخياري" في سلسلة " خالي عمارة " تبين بجلاء طريقة تفكير  لمواطن مغربي كما تريد أن تصورها الكاميرا الفنية ، و وسيلتها في ذلك اللغة سواء كانت عربية فصحى أو دارجة أو لغة فرنسية …

لاشك أن المغاربة  و خصوصا الأطفال منهم سيتذكرون " لخياري " بمجموعة  من العبارات على رأسها " حرتوك لوح عليك الببوش نجمع عليك الدراري " و كذلك " عبارة " لا حوته و لا نص فلوته و لا بوات فوكل دسردين " ..و إلى غير ذلك من العبارات و المفردات التي احتوتها السلسلة …  

لما نتأمل في هذه السلسلة "الفكاهية" كما يقال ، كانت الوسيلة الأساسية لإضحاك الناس هي قلب الكلمات ، وكأن "لخياري" سن سنة جديدة في تصريف الكلمات ، يريد بها منافسة سبويه ، و صاحب الألفية ، و كل أهل اللغة ،  و أذكر على سبيل المثال لا الحصر :

- اسم إشارة - هذا-  " لخياري"   قلبها "هاه" و كأنه يقول للمواطن المغربي في درسه اللغوي اليومي  ، قلبت الألف هاء و أصبحت "هاه" والعلة في ذلك إضحاك الناس ، فنطق بها الفنان اللغوي المبدع " ولهاه "…والكثير من الكلمات لا داعي لذكرها.. 

  ومن العبارات التي تكررت كثيرا في السلسلة " حرتوك لوح عليه الببوش ونجمع عليك الدراري " هذه العبارة يتلفظ بها  في بعض المواقف الغاضبة من السلوكيات التي يواجهها داخل الأسرة ، و هي صفة قدحية يسم بها الذي أساء إليه ..

كما نعلم أنه داخل الأسرة المغربية لو أحصينا الألفاظ السلبية التي تتداول بين أفرادها لو جدنا العجب العجاب ، و لخرجنا بالعشرات من المصطلحات و العبارات السلبية التي توجه إلى الأطفال وينشئون عليها فتقتل فيه الإبداع و تعلمهم الصراع و العنف و الغضب و التشنج ، و على رأسها أسماء الحيوانات و يتصدر لفظ : " الحمار " كل الأسماء ويليه "الضبع " ، فما إن يشتد النقاش أو الحوار داخل الأسرة ، أو إذا لم يقم الطفل بواجبه ، إلا و تسمع مثل هذه العبارت تتداول داخل الأسرة ، وكأن الأسرة أصبحت حديقة للحيوانات كل فرد من أفرادها له اسم لقب لحيوان أليف ، أضف إلى ذلك العبارات السلبية الكثيرة ، وعلى رأسها للأسف " ولد لحرام " " السلكوط " " الكمارة ديال الويل " " راس الطارو " و إلى غير ذلك …

    فالطفل لما يسمع هذه العبارات السيئة السلبية ، و الطامة الكبرى أنه لما يسمع من أمه وأبيه و إخوانه  "سب الدين" ويصبح أمرا عاديا في الأسرة ، و تكتمل المصيبة لما يصبح " سب الرب" أمرا معتادا ، و كأنه العصا الغليظة التي ترفع في الوجه الخصم لإخافته…فكبر أربعا ثم سلم على أخلاق هذه الأسر و على مستقبل أبنائها ، وهنا لابد من الإشارة إلى أنه ليس  كل الأسر المغربية على هذا النمط ، بل هناك من الأسر من تنتقي العبارات الطيبة للمحافظة عن أخلاق أبنائها و إشاعة جو الاحترام المتبادل بين أفرادها  ، فبعض أسرنا لما يغضب أفرادها لا يتحكمون في أنفسهم  و لا يلجمون غضبهم ،  فيستدعون في لحظة الغضب كل المفردات " الزنقاوية " على حد تعبير المغاربة …

   أمام هذا الوضع المزري الذي تعيش فيه بعض أسرنا المغربية ، والذي يعلمه " الفنان لخياري " و أنا على يقين لا يرضاه لأي أسرة مغربية ، أمام هذا الوضع كان على " لخياري " أن يعالجه لا أن يسهم في تأزيم الوضع التربوي لأسرنا المغربية ، و هو يستطيع ذلك لما له من كفاءة فنية ، أما أن يملأ أذهان الأطفال بهذه العبارات الرديئة التي تنتمي إلى قاموس "الزنقة" على حد تعبير المغاربة فهذا لا يليق برسالة الفنان الحر المبدع الذي ينحاز إلى كل ما هو جميل..

 يحكي لي أحد الأصدقاء أن ابنته التي هي في طور النطق و التحدث ذهبت إلى أحد الأسر فعلموها مفردا لغويا جديدا ، لما رجعت إلى البيت سمعها الأب تقول عبارة " الشفارة " وتعيدها وهي مبتسمة و مسرورة تلعب في باحة البيت ، فبذكاء الأب أتى إلى البنت التي تعلمت هذا المصطلح السلبي و حاول أن يغير لها المصطلح  فقال لها يا بنتي ليس" الشفارة" و إنما "الصفارة" و كرر عبارة الصفارة و ضاحكها و لا عبها حتى تمكن من بغيته ..

  فهل يستطيعوا الآباء أن يقنعوا أبناء هم  الذين شاهدوا ثلاثين حلقة من سلسلة "خالي عمارة" أن عبارة " قرقر" خاطئة و العبارة الصحيحة " قرر " ؟ 

  و في الأخير تحياتي إلى فنانينا المغاربة الأحرار المبدعين ..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “أبناؤنا و لغة " خالي عمارة "”

  1. Merci beaucoup pour ton post. Malheureusement, 2M nous traite comme des débiles mentaux.

  2. للاسف الكوميديا ديال الببوش

    للاسف الاستهزاء بعقول المغاربة

    للاسف……



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق