الوعي المغربي

فد تبدوا الحياة للوهلة الأولى فسحة في ثواني معدودة ...لكنها مغامرة في أقل من الثواني ...فإما سعادة أو شقاء ...والإنسان بأفكاره...فإذا كانت أفكاره أغلى مايملك...فكيف سيكون إذا انتزع منه ملكه ... وما أحلى المغامرة إذا كانت فكرية ...خليكم معي في مدونتي السركية التي هي مسرح مغامراتي ...

السبت,تموز 05, 2008


المسيري: المفكرالخالد

     مصطفى بوكرن: سمعت خبر وفاة عبد الوهاب المسيري على التو  من قناة الجزيرة و أنا أتناول وجبة الفطور، فلم أتمالك نفسي من شدة الخبر فقمت مكبرا؛ الله أكبر ..الله أكبر ، و اغرورقت عيناي بالدموع ، أمام أسرتي التي اندهشت لتكبيري ، أمي بدأت تسألني بفضول زائد ، ما الذي ألم بك ؟ فكرت مليا في الإجابة، فقلت لها مات مفكر مصري عظيم اسمه عبد الوهاب المسيري، فلهجت أمي بدعاء رحمة، و تسمرت أختي في مكانها وغادرتنا بذاكرتها متجهة إلى برنامج بلا حدود ، فأجابتني بخشوع، آآه هداك لكيجيبوه في الجزيرة و كيهدر على ليهود. قلت: لها نعم..

 خالجني شعور محزن صباح هذا اليوم الخميس، و في نفس الوقت استمتعت بتجوال ذاكرتي في علاقتي مع هذا المفكر العظيم ، رجعت بي ذاكرتي لآخر ملتقى علمي حضرته حول فكر عبد الوهاب المسيري و نموذجه المعرفي بمدينة المحمدية ، و الذي نظمته منظمة التجديد الطلابي حيث استضافت ثلة من المفكرين و الباحثين لمدارسة فكره و نموذجه المعرفي، و أنا أتجول بذاكرتي أحسست بأني حرمت من الكلمة التي وجهها المسيري لطلاب المغرب في افتتاح هذا الملتقى لأني لم أحضر إلا  في اليوم الأخير، لكن غمرني شعور بالفرح ؛ أن يخاطب هذا المفكر العظيم طلاب العلم بالجامعة المغربية مباشرة من القاهرة ،  فهو الباحثة الألمعي الذي قضى كل حياته في البحث العلمي و النضال الأكاديمي ، و هو المناضل الشرس المنسق لحركة كفاية و الذي لم يجعله مرض سرطان الدم يتقاعس عن النزول الميداني في ساحة الشارع العام لشهود حرارة الجماهير الشعبية هو و زوجته ، وقلت في نفسي بمثل هؤلاء الرجال ينبغي أن يقتدي طلاب البحث العلمي الرسالي ..

   تذكرت في هذا الملتقى محاضرة المفكر المغربي سعيد شبار و هو يتحدث عن علاقته بالمسيري من خلال زيارته لبيته و الحديث معه في مصر ، و يحكي لنا كيف ألف موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيوينة و التي أخذت منه ربع قرن، و يحكي كيف فكر المسيري في توزيع موسوعته ، التي كانت سببا في تلقيه أكثر من عشرة تهديد  بالقتل ، يقول سعيد شبار : من خلال أصدقائه في كل بقاع العالم ،  أرسل لكل صديق نسخة يحفظها عنده حتى لا يتمكنوا من مصادرة الموسوعة ، و من كثرة اللطائف الفكرية العميقة التي حدثنا بها عن المسيري ، في حصة المناقشة سألت المحاضر هل يمكن لي أن أحدث عنه أقول مثلا ؛ حدثني سعيد شبار عن المسيري قال ، و قلت له مضيفا هل يمكن لي أن أسقطك من السند و أسند الحديث إلى المسيري مباشرة فأقول حدثني المسيري قال ، فلم يجبني شبارا سوى بابتسامة جميلة كعادته .

 أول ما فكرت فيه بعد وفاته هو هذا الملتقى الجميل الذي حضرته مع طلاب المغرب و الذين انبهروا و اندهشوا بفكره الثاقب و بمشروعه المتجدد على مستوى الأنساق و النماذج المعرفية ، ثم رجعت بي الذاكرة إلى أول كتاب قرأته له صدر سنة 2002 الفلسفة المادية و تفكيك الإنسان حيث استعرته من عند أحد أصدقائي ، قراءتي للكتاب جعلتني ألج عالما فسيحا كثيف المفاهيم و المصطلحات التي ينحتها المسيري ، فأحس و أنا أقرأ الكتاب كأنك المسيري يرتب الجغرافية المفهومية لتفكيري ، و استشعرت قيمة الكتاب الذي أقرا ، حيث يقدم مادة معرفية جديدة في قراءة الغرب و فلسفته و نظرته للإنسان .

   كما أني تذكرت التعب الكبير يوم أن أقمت بجمع جميع مقالته التي كانت تنشرها جريدة التجديد المغربية ، كنت أذهب عند أحد الأصدقاء و أطلب منه جميع الجرائد القديمة ، فيمدني بها و آتي إلى البيت فأضع أمامي ركاما من الجرائد ، و آتي بسكين حاد فآخذ ما أحتاجه، فتكون المحصلة في الأخير، ستة عشر مقالا نشرت في الصفحة الأخيرة بعنوان نصوص مختارة ، أخذت كل هذه المقالات و نسختها ووزعتها على بعض الطلبة لاكتشاف فكر هذا الرجل العظيم .

  كما أني تذكرت ، أمتع دراسة قرأتها  له حول الفيديو الكليب و العولمة ، و بحق كانت الدراسة جديدة في بابها فقاربها مقاربة جديدة انطلاقا من نموذجه المعرفي التفسيري ، وبالموازة دراسته المفسره المتألقة للحركات النسوية في العالم الغربي و  العربي .

  و تذكرت أقوى صدمة معرفية له علي ، حينما قرأت مفهوم تسفير الإنسان ، و كيف استطاع أن يقارب الصراع العربي الصهيوني ، وأن يخرجه من دائرة التعاطي الديني المحض إلى دائرة الدراسات الاجتماعية و الإنسانية ، و استنتج أن دولة إسرئيل ما هي إلا امتداد للغرب الإمبريالي الإحلالي ، الذي ينظر إلى الإنسان نظرة مادية صرفة و يقيمه انطلاقا من إنتاجه المادي ، فعمل الغرب على تسفير كتل الإنسان اليهودي إلى فلسطين لأجل أن يستفيد منه وأن يتجنب المشاكل التي يمكن أن يحدثها في منطقته ، فكان هذا التفسير رجة فكرية لذهني و أذهان الكثيرين ، مستندا إلى معطيات كثيرة تاريخية و فلسفية.

  من الناذر ألا أجد عند أصدقائي الطلاب مذكراته الرائعة الممتعة التي تفاجئ عين القارئ لأول وهلة بعنونها الغريب  رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية في البذور والجذور والثمار ، هذه السيرة العجيبة التي تبين الرحلة الفكرية لعبد الوهاب المسيري ، كيف انتقل من الماركسية إلى رحاب الإسلام و كيف انتقل من دراسته للأدب الإنجليزي إلى دراسة الصهيوينة ، ثم يتحدث عن كثير من المواضيع الشائكة في الغرب كالجنس و الإباحية ويفسرها تفسيرا ثاقبا ، بحق إن شباب القرن الواحد الذي يعيش زمن العولمة و المكدلة و الكوكلة إن لم يقرأ كتاب رحلتي فكرية كأنه لم يقرأ شيئا ، إنه كتاب مبهر ، يجيبك إجابات تنأى  بك عن البساطة و التسطيح و تحلق بك عاليا في سماء التركيب الخلاق .

هكذا ايها السادة ؛ يموت الرجل و تبقى أحلامه وأفكاره تسري في عقول و قلوب الناس كل الناس ، ما أجمل أن تموت و يتذكرك الناس بروائعك ، وبإنجازاتك العظيمة ، فهؤلاء يموتون ويبقون أحياء إلى الأبد ، ومنهم المسيري المفكر الخالد .



في06,تموز,2008  -  11:23 صباحاً, منظمة التجديد الطلابي كتبها ...

السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته
كالعادة اخي بوكرن جيد جدا
ان لله و انا اليه راجعون
المسيري قد مات لكن ترك خطاه فوق رمال الزمن
المرجو منا كطلبة ان نتبحر في فكر هدا العلامة ..........وان ننجز البحوث حوله و نطوره..................