الوعي المغربي

فد تبدوا الحياة للوهلة الأولى فسحة في ثواني معدودة ...لكنها مغامرة في أقل من الثواني ...فإما سعادة أو شقاء ...والإنسان بأفكاره...فإذا كانت أفكاره أغلى مايملك...فكيف سيكون إذا انتزع منه ملكه ... وما أحلى المغامرة إذا كانت فكرية ...خليكم معي في مدونتي السركية التي هي مسرح مغامراتي ...

الأربعاء,تموز 02, 2008


                              أسئلة الفـــــــــن

 

مصطفى بوكرن: في البداية ؛ لا يسعني إلا أن أزف إلى معظم المعلقين على مقالي الغناء حرام ! تحية تقدير و احترام، لما أدلوا به من أرائهم المختلفة و المتنوعة، و هذا يدل على أن المغاربة - و الحمد لله – أشد الناس حرصا على تتبع ما له علاقة بالأحكام الشرعية ، فحبهم لكسب مرضاة الله سبحانه و تجنب سخطه  يدفعهم إلى البحث و السؤال لمعرفة الحكم الشرعي في ما يستجد لهم من نوازل في حياتهم اليومية ، قصد الامتثال لأوامر الله و ليس بهدف تكثير معلوماتهم الشرعية التي تخول لهم المساهمة في نقاشات شرعية ليبرزوا قدراتهم الحوارية  دون أن يتحلون بما يقولون على مستوى الفعل.

 بعد أن اطلعت على كل ردود القراء و ناقشت مباشرة مع قراء آخرين، تبدى لي أني مطالب بتوضيح يزيل الغموض و يجلي قصدي في الموضوع ، وأبدأ بهذه المقدمات الأساسية :

-        إني لم أتحدث عن الحكم الشرعي للغناء لا من جهة الحلية و لا من جهة الحرمة ، فمقالي لا يستوعب النقاش الفقهي ، و لا يمكن لي ان أنحو هذا الاتجاه في كتابة مقالي، خصوصا في هذا الموضوع الطويل الذي لا تسعه سوى الصفحات الطويلة ، بمعنى أن مقالي هو مقال رأي في مشهد شاهدته وسمعته و حاورت الناس فيه ، بهذا المعنى مقالي هو في الخطاب الديني و ليس في فقه الأحكام الشرعية ، و شتان بين هذا و ذلك ، كما أني لا أنفي ارتباطهما الوثيق.

-         مقالي يتساءل عن مآلات خطبة الجمعة التي سمعتها ارتباطا بأحوال الناس الثقافية و السياسية و الأسرية ، ومما لا شك فيه  أن المبتدئين في الدراسات الإسلامية لهم دراية بفقه المآلات ، فهناك فرق بين فقه الأحكام و فقه المآلات ، و المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يستشف هذا الفقه في سيرته ، ويمكن أن نستحضر  هدمه للأصنام التي كانت حول الكعبة المشرفة فلم يقم بذلك إلا يوم فتح مكة ، و مقصد ه في هذا هو جلب المصالح و درء للمفاسد .

-        أشرت إلى أن مسألة الغناء  تحتاج في وقتنا المعاصر إلى تناولها من زاوية أوسع ،  تجيب عن أسئلة  البشرية جمعاء و ليس عن أسئلة المسلمين فقط على اعتبار أن الإسلام هو للعالمين جميعا، و ليس للعرب وحدهم، و هذه الزاوية هي زاوية الرؤية الفنية و الجمالية انطلاقا من المنهجية المعرفية الإسلامية ، المؤسسة على جدلية الغيب و الطبيعة و الإنسان على حد تعبير المفكر السوداني المرحوم الحاج حمد.

إذن؛ فمقالي يقارب خطبة الجمعة من زاوية مآلية تستشرف الرؤية الجمالية الفنية الإسلامية .

  ربما لم أحسن التعبير في بعض المقاطع وفهم من كلامي أني أحلل الغناء الفاحش ، لذلك أشير إلى ما يلي من الموجهات الأساسية :

-        يؤكد الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الإسلام و الفن أن العلماء اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على الفحش أو الفسق أو التحريض على معصية  ، و اتفقوا كذلك على كل غناء فطري خال من الآلات و الإثارة ، و ذلك في مواطن السرور المروعة ، كالعرس ، وقدوم الغائب ، و أيام الأعياد ، و اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً بيناً : فمنهم من أجاز كل غناء بآلة و بغير آلة ، ومنهم من منعه منعاً باتاً بآلة و بغير آلة‌ ، و عده حراماً ، بل ربما ارتقى به إلى درجة « الكبيرة ».

-        نلحظ من خلال هذا، أن الاتفاق ينصب على تحريم الغناء الفاحش و وليس على الغناء بصفة عامة ، مما يعني أن مسألة الغناء اتفاقية خلافية ، و أن القائل بحرمة الغناء دون تمييز للغناء المقصود مجانب للصواب ، و الذي يثير استغربي في المسألة أن بعضا من يتناول هذا الموضوع من الناحية الفقهية لا يقدم للناس إلا المذهب الذي اقتنع به سواء مذهب الجواز أو الحرمة ، فالذي يتقلد منصب الانتصاب للخطابة في الناس ، ينبغي أن يقدم جميع المذاهب ويبين للناس ويشرح لهم شرحا جيدا ويبين لهم المختار .

-        نقدي للخطيب هو من هذه الجهة،  أنه لم يقدم إلا مذهبا واحدا في مسألة الغناء، و هو المذهب القائل بالحرمة دون أن يشير إلى المذهب القائل بالجواز ، ولذلك فالناس عند استماعهم لجميع الأراء الفقهية سيتبين لهم سعة و رحمة الإسلام في مراعاة حاجياتهم الفطرية و الجمالية ، لأن حضور الجمعة متنوع، فهناك من له همة كبيرة في الأخذ بعزائم و الأمور ، و هناك من جاء لأول مرة لصلاة الجمعة ، ولذلك فالخطيب هو في موقع الشرح و البيان وليس في موقع الفتوى المخصوصة للفرد المخصوص ، فلا يعقل ذكر رأي واحد في مسألة الغناء دون الآراء الأخرى ، وهذا لن يثمر سوى الحرج و العنث .

-        يبدو لي أن وظيفة الخطيب هي تذكير الناس و إرشادهم و توجيههم ، و الخطيب العالم الفقيه لا يفتي الناس فقط يوم صلاة الجمعة ، بل له حصص علمية يتواصل فيها مع الناس تتجاوز الساعة ، و نعلم أن من علماء المغرب من يخصص لذلك أوقاتا خاصة يتلقى فيها فتوى الناس ليجيب عليها ، و لهذا فخطباء الجمعة ارتباطا بواقعنا المعيش في المغرب ، ليسوا علماء كلهم، فمنهم العالم المتفقه الممارس، و منهم الطبيب ، ومنهم الحرفي ، و منهم أستاذ الرياضة ، و منهم استاذ التربية الإسلامية ، و لهذا فالدور الأساسي لكل هؤلاء الخطباء هو التذكير و توجيه الناس ، أما إفتاء الناس فيختلف من خطيب لآخر.

   وبعد هذا أقول لكل المعلقين الكرام و القراء الأفاضل ، ليس و ظيفتي هو أن أجيب بالحلية أو الحرمة ، فهذا له رجاله و أهله ، وإنما كل همي و غرضي هو أن أنبه إلى أن قول الحرام  أو الحلال ، يحتاج إلى التريث و الورع، فمن علمائنا من يكتفي بقوله هذا جائز أو لا يجوز، مخافة أن يقع في المحظور، لأن الذي يحلل ويحرم هو الله سبحانه و تعالى بنص قطعي الدلالة و قطعي الثبوت ، و لهذا من غير المعقول أن يختلف علماؤنا في الحلال و الحرام المبني على القطعيات الكليات من من جهة الحكم، فهل رأيتم عالما واحدا يقول بجلد الزاني غير المحصن ستين جلدة مثلا ، و الآخر يقول أربعين جلدة مثلا ، فنص حد الزاني غير المحصن قطعي الدلالة و قطعي الثبوت فالله سبحانه و تعالى يقول : الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور -2- ، و ما اختلف العلماء في مسألة إلا من جهة ظنية الدلالة و ظنية الثبوت.

ثم أيها السادة :

 و هذا هو الأهم في رأيي؛ عندما يتعلق الأمر بأسئلة الوطن والأمة و البشرية جمعاء ، كيف سيتعامل  نظام الحكم الإسلامي مع الفن بكل ألوانه؟ هل سيخلق مدارس الموسيقى و الغناء و التمثيل و التشكيل ؟ هل سيحل جمعيات الموسيقيين ؟ ما مصير العشرات من الفنانين الذين ليس لهم من مداخل مالية سوى مدخل الفن ؟ كيف سيتعامل مع المهرجانات الفنية، هل يمتلك رؤية للاحتفالات الفنية ؟ تراثنا المغربي الأندلسي و الغرناطي و الحوزي و الصحراوي ، من الطقطوقة الجبلية إلى الغناء الحساني هل سيرمي به في مزبلة التاريخ ؟ و ما هو الفن الذي سيسمح به في الإعلام ؟ هل سيمنع الموسيقى التي تستهل بها نشرات الأخبار و يعوضها بزقزقة العصافير و خرير المياه ؟ و هل لهذا الناظم الإسلامي رؤية ثقافية فنية ؟

 هذه هي الأسئلة التي تبقى معلقة، لأن الفقه الإسلامي أجاب عن أسئلة الأفراد و لا زال يصارع  للإجابة عن أسئلة الأمة الكبرى، و منها سؤال الجمال و الفن.

                     



في01,آب,2008  -  12:17 صباحاً, farisse كتبها ...

السلام عليكم.
وأنا أقأ هذا المقال أحس بالارتباك الشديد حول الغناء . ولا أعرف ماهي وجهة نظرك ولو أن هذا غير مهم لكلينا. لذلك فأنا أحس أنكم أستاذي الكريم تشعرون بنفس هذا الاارتباك ....
على أي شكرا على هذا العطاء