أسئلة الفـــــــــن
مصطفى بوكرن: في البداية ؛ لا يسعني إلا أن أزف إلى معظم المعلقين على مقالي الغناء حرام ! تحية تقدير و احترام، لما أدلوا به من أرائهم المختلفة و المتنوعة، و هذا يدل على أن المغاربة - و الحمد لله – أشد الناس حرصا على تتبع ما له علاقة بالأحكام الشرعية ، فحبهم لكسب مرضاة الله سبحانه و تجنب سخطه يدفعهم إلى البحث و السؤال لمعرفة الحكم الشرعي في ما يستجد لهم من نوازل في حياتهم اليومية ، قصد الامتثال لأوامر الله و ليس بهدف تكثير معلوماتهم الشرعية التي تخول لهم المساهمة في نقاشات شرعية ليبرزوا قدراتهم الحوارية دون أن يتحلون بما يقولون على مستوى الفعل.
بعد أن اطلعت على كل ردود القراء و ناقشت مباشرة مع قراء آخرين، تبدى لي أني مطالب بتوضيح يزيل الغموض و يجلي قصدي في الموضوع ، وأبدأ بهذه المقدمات الأساسية :
- إني لم أتحدث عن الحكم الشرعي للغناء لا من جهة الحلية و لا من جهة الحرمة ، فمقالي لا يستوعب النقاش الفقهي ، و لا يمكن لي ان أنحو هذا الاتجاه في كتابة مقالي، خصوصا في هذا الموضوع الطويل الذي لا تسعه سوى الصفحات الطويلة ، بمعنى أن مقالي هو مقال رأي في مشهد شاهدته وسمعته و حاورت الناس فيه ، بهذا المعنى مقالي هو في الخطاب الديني و ليس في فقه الأحكام الشرعية ، و شتان بين هذا و ذلك ، كما أني لا أنفي ارتباطهما الوثيق.
- مقالي يتساءل عن مآلات خطبة الجمعة التي سمعتها ارتباطا بأحوال الناس الثقافية و السياسية و الأسرية ، ومما لا شك فيه أن المبتدئين في الدراسات الإسلامية لهم دراية بفقه المآلات ، فهناك فرق بين فقه الأحكام و فقه المآلات ، و المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يستشف هذا الفقه في سيرته ، ويمكن أن نستحضر هدمه للأصنام التي كانت حول الكعبة المشرفة فلم يقم بذلك إلا يوم فتح مكة ، و مقصد ه في هذا هو جلب المصالح و درء للمفاسد .
- أشرت إلى أن مسألة الغناء تحتاج في وقتنا المعاصر إلى تناولها من زاوية أوسع ، تجيب عن أسئلة البشرية جمعاء و ليس عن أسئلة المسلمين فقط على اعتبار أن الإسلام هو للعالمين جميعا، و ليس للعرب وحدهم، و هذه الزاوية هي زاوية الرؤية الفنية و الجمالية انطلاقا من المنهجية المعرفية الإسلامية ، المؤسسة على جدلية الغيب و الطبيعة و الإنسان على حد تعبير المفكر السوداني المرحوم الحاج حمد.
إذن؛ فمقالي يقارب خطبة الجمعة من زاوية مآلية تستشرف الرؤية الجمالية الفنية الإسلامية .
ربما لم أحسن التعبير في بعض المقاطع وفهم من كلامي أني أحلل الغناء الفاحش ، لذلك أشير إلى ما يلي من الموجهات الأساسية :
- يؤكد الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الإسلام و الفن أن العلماء اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على الفحش أو الفسق أو التحريض على معصية ، و اتفقوا كذلك على كل غناء فطري خال من الآلات و الإثارة ، و ذلك في مواطن السرور المروعة ، كالعرس ، وقدوم الغائب ، و أيام الأعياد ، و اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً بيناً : فمنهم من أجاز كل غناء بآلة و بغير آلة ، ومنهم من منعه منعاً باتاً بآلة و بغير آلة ، و عده حراماً ، بل ربما ارتقى به إلى درجة « الكبيرة ».
- نلحظ من خلال هذا، أن الاتفاق ينصب على تحريم الغناء الفاحش و وليس على الغناء بصفة عامة ، مما يعني أن مسألة الغناء اتفاقية خلافية ، و أن القائل بحرمة الغناء دون تمييز للغناء المقصود مجانب للصواب ، و الذي يثير استغربي في المسألة أن بعضا من يتناول هذا الموضوع من الناحية الفقهية لا يقدم للناس إلا المذهب الذي اقتنع به سواء مذهب الجواز أو الحرمة ، فالذي يتقلد منصب الانتصاب للخطابة في الناس ، ينبغي أن يقدم جميع المذاهب ويبين للناس ويشرح لهم شرحا جيدا ويبين لهم المختار .
- نقدي للخطيب هو من هذه الجهة، أنه لم يقدم إلا مذهبا واحدا في مسألة الغناء، و هو المذهب القائل بالحرمة دون أن يشير إلى المذهب القائل بالجواز ، ولذلك فالناس عند استماعهم لجميع الأراء الفقهية سيتبين لهم سعة و رحمة الإسلام في مراعاة حاجياتهم الفطرية و الجمالية ، لأن حضور الجمعة متنوع، فهناك من له همة كبيرة في الأخذ بعزائم و الأمور ، و هناك من جاء لأول مرة لصلاة الجمعة ، ولذلك فالخطيب هو في موقع الشرح و البيان وليس في موقع الفتوى المخصوصة للفرد المخصوص ، فلا يعقل ذكر رأي واحد في مسألة الغناء دون الآراء الأخرى ، وهذا لن يثمر سوى الحرج و العنث .
- يبدو لي أن وظيفة الخطيب هي تذكير الناس و إرشادهم و توجيههم ، و الخطيب العالم الفقيه لا يفتي الناس فقط يوم صلاة الجمعة ، بل له حصص علمية يتواصل فيها مع الناس تتجاوز الساعة ، و نعلم أن من علماء المغرب من يخصص لذلك أوقاتا خاصة يتلقى فيها فتوى الناس ليجيب عليها ، و لهذا فخطباء الجمعة ارتباطا بواقعنا المعيش في المغرب ، ليسوا علماء كلهم، فمنهم العالم المتفقه الممارس، و منهم الطبيب ، ومنهم الحرفي ، و منهم أستاذ الرياضة ، و منهم استاذ التربية الإسلامية ، و لهذا فالدور الأساسي لكل هؤلاء الخطباء هو التذكير و توجيه الناس ، أما إفتاء الناس فيختلف من خطيب لآخر.
وبعد هذا أقول لكل المعلقين الكرام و القراء الأفاضل ، ليس و ظيفتي هو أن أجيب بالحلية أو الحرمة ، فهذا له رجاله و أهله ، وإنما كل همي و غرضي هو أن أنبه إلى أن قول الحرام أو الحلال ، يحتاج إلى التريث و الورع، فمن علمائنا من يكتفي بقوله هذا جائز أو لا يجوز، مخافة أن يقع في المحظور، لأن الذي يحلل ويحرم هو الله سبحانه و تعالى بنص قطعي الدلالة و قطعي الثبوت ، و لهذا من غير المعقول أن يختلف علماؤنا في الحلال و الحرام المبني على القطعيات الكليات من من جهة الحكم، فهل رأيتم عالما واحدا يقول بجلد الزاني غير المحصن ستين جلدة مثلا ، و الآخر يقول أربعين جلدة مثلا ، فنص حد الزاني غير المحصن قطعي الدلالة و قطعي الثبوت فالله سبحانه و تعالى يقول : الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور -2- ، و ما اختلف العلماء في مسألة إلا من جهة ظنية الدلالة و ظنية الثبوت.
ثم أيها السادة :
و هذا هو الأهم في رأيي؛ عندما يتعلق الأمر بأسئلة الوطن والأمة و البشرية جمعاء ، كيف سيتعامل نظام الحكم الإسلامي مع الفن بكل ألوانه؟ هل سيخلق مدارس الموسيقى و الغناء و التمثيل و التشكيل ؟ هل سيحل جمعيات الموسيقيين ؟ ما مصير العشرات من الفنانين الذين ليس لهم من مداخل مالية سوى مدخل الفن ؟ كيف سيتعامل مع المهرجانات الفنية، هل يمتلك رؤية للاحتفالات الفنية ؟ تراثنا المغربي الأندلسي و الغرناطي و الحوزي و الصحراوي ، من الطقطوقة الجبلية إلى الغناء الحساني هل سيرمي به في مزبلة التاريخ ؟ و ما هو الفن الذي سيسمح به في الإعلام ؟ هل سيمنع الموسيقى التي تستهل بها نشرات الأخبار و يعوضها بزقزقة العصافير و خرير المياه ؟ و هل لهذا الناظم الإسلامي رؤية ثقافية فنية ؟
هذه هي الأسئلة التي تبقى معلقة، لأن الفقه الإسلامي أجاب عن أسئلة الأفراد و لا زال يصارع للإجابة عن أسئلة الأمة الكبرى، و منها سؤال الجمال و الفن.
كتبها مصطفى بوكرن في 07:23 صباحاً ::
السلام عليكم.
وأنا أقأ هذا المقال أحس بالارتباك الشديد حول الغناء . ولا أعرف ماهي وجهة نظرك ولو أن هذا غير مهم لكلينا. لذلك فأنا أحس أنكم أستاذي الكريم تشعرون بنفس هذا الاارتباك ....
على أي شكرا على هذا العطاء
الاسم: مصطفى بوكرن
