الخطاب الديني : من الرواية إلى الرعاية
كتبهامصطفى بوكرن ، في 8 أكتوبر 2006 الساعة: 05:27 ص

الخطاب الديني : من الرواية إلى الرعاية
بقلم : مصطفى بوكرن
في الوقت المعاصر أصبح للخطاب الديني حضورا بارزا و دورا ملحوظا في التنشئة الدينية للمجتمعات ، بل يمكن أن تكلم عن الخطاب الديني في كل الوسائط الإعلامية التي يستعملها ، من الإنترنيت إلى البطاقة الدعوية ، و يرجع هذا التنوع و الحيوية إلى الصحوة الدينية التي يعيشها العالم الإسلامي و البشرية جمعاء ، فالإنسان المعاصر في حاجة ماسة للاستماع لهذا الخطاب الذي مضمونه الكلام عن الإيمان في الدنيا و الخلاص الأخروي في الآخرة …وهذه المعاني من القضايا التي ترتبط بالأسئلة الوجودية التي لا يمكن بحال من الأحوال أن ينسلخ عنها الإنسان فسؤال من أنا؟ و لماذا؟ وإلى أين ؟ لا يطلع بالإجابة عنها إلا الخطاب الديني الذي له صلة بالغيب الفسيح الرحب…ولاشك أن الخطاب الديني في المنظومة الإسلامية تمتلك إجابة واضحة و سليمة في هذا الاتجاه … ولذلك فإذا كان الطلب كثيرا من الناس للاستماع لهذا الخطاب الذي يلامس حاجاتهم الوجودية فإن العرض ينبغي أن سينسجم مع نسبة العرض …والعرض لا يمكن له أن يتحقق على أرض الواقع إلا بتجييش جيوش من الدعاة و الخطباء و الوعاظ و المرشدين الدينين للقيام بهذه المهمة أحسن ألقيام وبأيسر الوسائل و أنفعها و مدربين أدق تدربي على صناعة الخطاب الديني في المكان المناسب و للجمهور المناسب و منفتحين على العالم بخطاب عالمي رحيم " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين …
من الملاحظ أن الخطاب الديني من المواضيع التي أسيل حولها مدد غزير وقيل في حقها الكلام الكثير و لازال النقاش مستمرا في ذلك على حسب الزاوية و المقاربة التي ينطلق منها كل محلل أو متأمل… وخضع هذا الخطاب للنقد و التمحيص و خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر ثم كذلك بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها مجموعة من الدول الإسلامية …هذه الأحداث الدولية و المحلية جعلت أرباب القرار في الدول العربية و الإسلامية أن يطرحوا سؤال مراجعة الخطاب الديني …وهناك من يشكك في مدى مصداقية هذه الدعوة هل هذه الدعوة تتوخى ترشيد الخطاب الديني و تجديد ما اندرس منه من معالمه القرآنية و النبوية ..أم أن الهدف من هذه الدعوة هو ضرب الخطاب الديني في عمقه و هي المرجعية الإسلامية التي ينطلق منها و يتأسس عليها …؟ أو بمعنى آخر هل هذه الدعوة تنبع من الداخل تريد حقا أن ترشد هذا الخطاب لأنها هي الأعلم و الأقدر على ذلك أم الأمر هو بضغوط خارجية تريد النيل من مرجعية الإسلام المسلمين ؟
إن الخطاب الديني يحمل في ذاتها التجديد و هو يدعو إلى التجديد و المراجعة دون الركون على الركود و الجمود ..فهذا الخطاب الذي ينطلق من المرجعية الإسلامية التي من خصائص التجديد هو لا يمكن بحال أن يستمر وينتعش و يحيا في حياة الشعوب إن لم يكن كذلك …وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم خير دليل على ذلك ، فخطاب المرحلة المكية خطاب العزائم و خطاب المرحلة المدنية خطاب الرخص ، ففي المرحلة المكية كانت الأصول و القواعد الكبرى التي ينبني عليها الإسلام "، وفي المرحلة المدنية جاءت الفروع التي انبت على هذه الأصول …فهذه المرونة من خصائص الخطاب المتجدد ، ومبحث الدلالة الثري و الشيق في أصول الفقه يبرز هذا المعنى الدقيق ، فالأصوليون من المتكلمين و الأحناف أغنوا هذا المبحث بالنظر و التدقيق و التأمل وبينوا أن خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين من حيث وضوحه و خفائه متشعب الموارد و المسالك فهناك الظاهر و النص و المفسر والمحكم من حيث وضوح الخطاب و هناك الخفي و المشكل و المجمل و المتشابه من حيث الخفاء هذا عند الأحناف وعند المتكلمين أمر آخر ، وفي هذا إشارة إلى أن الخطاب الإلهي في ذاته وعمقه مرن متجدد متنوع ثري ليس على نمط واحد وكل دلالة لها مقاصد خاصة ..إلى غير لك ..
إلى المتن الديني الدعوي ينبغي عليه أن يخضع للنسق الأصولي لأنه هو المنهج الذي يقين من الزلل و التنكب عن الصراط المستقيم ، لكن هذا لا يكفي وحده ، بل لابد أن ينتقل الخطاب الديني من صناعة الخطاب و التفنن في روايته إلى التفنن في رعاية مستمعيه ، حيث إن الرواية أصبحت هدفا في حد ذاتها مع أن الهدف هو الرعاية …فهل الخطاب الديني هو خطاب حكاواتي فقط ؟ يأتي الخطيب و يروي لنا أحاديث و آيات و مواقف و أشخاص كأنما يروي لنا ملحمة من الملاحم أو الأسطورة من الأساطير …دون أن يستمع إلى مشاكل الناس و تحدياتهم ويساهم في رعايتها و حلها …؟ كم من خطب الجمعة تلقى في العالم الإسلامي في الأسبوع أليس الملايين من الخطب ؟ …كم من الندوات الدينية التي تقام في الشهر ..؟ كم من المحاضرات الدينية تقام في شهر رمضان …؟ كم يسمع المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها …؟ هل كل هذا الكلام لتزجية الوقت و التسلي به ..هل الأمة الإسلامية أمة خطابية وكلامية ….؟ لماذا لم يتغير حالنا و ننهض بأمتنا مع أن هذا الخطاب مهم في نهضة الشعوب …؟ لماذا يستطيع خطيب واحد لوحده أن يحيي أمة هل اكتفى بالرواية دون الراعية ؟ ماذا سيكون حالنا لو اقترنت الرواية بالرعاية …؟ وذلك بأن يزل الخطيب من برجه العاجي و يعيش هموم الناس و الكادحين و المنكوبين ويستمع إليها ويجعل لها حلا و يرعاها رعاية مستمرة ويسأل عن حالهم ، وان يتمثل ما يقول ويجسده لان الإنسان يتأثر بالمنظور أكثر من تأثره بالمسموع …لماذا أصبح جمهور المسجد في العالم الإسلامي هذا الجمهور الذي يبكي ويصلي ويصوم ويزكي هو الجمهور الذي نفسه الذي قد تجده في أماكن لا تليقي بالإنسان الحضاري الحامل لمشروع امة …؟ هل هذا الجمهور يكون متدينا فقط لما يكون يسمع لكلمة الخطيب و لما يخرج من المسجد ينسى كل ما سمع من ذلك وسعى في الأرض فسدا …؟ كثيرون هم الشباب الذين يجلسون أمام دعاة الفضائيات ويبكون و يصرخون ويتوبون في لحظة الاستماع لكن بعد مرور مدة ربما قد تكون قصيرة يرجع إلى مكان عليه من تيه و حيرة …هل أصبح دعاة الفضائيات مخدرا أو مسكنا يسكن الآلام لحظات ويريح الناس من آلامهم ؟
لاشك أن السبب في هذا الانفصام في شخصية كثير من الناس و الشباب خاصة ، هو في غياب الرعاية المستمرة التي تستطيع أن تأخذ بيد الشباب ليس بسرعة البرق وإنما بتدرج واستمرارية حيث يكون أحسن مما كان …لأن الله تعالى ابتلنا و امتحننا ليس في إتيان العبادة و إنما في الاستمرار عليه و إن كانت قليلة ..
ويقال إن السرعة تقتل ،و هذا المعنى ليس في سياقة السيارة فقط ، بل كذلك في سياقة النفس ، فالإسراع في التدين الممزوج بالعاطفة الحارة و الفهم السقيم قد يودي بصاحبه إلى الانزلاق ، وخصوصا في مرحلة البدايات هذه البداية التي ينبغي على أهل الدعوة و الخطاب الديني أن يرعوها حق رعايتها ليس بالخطاب التعبوي التحريضي العاطفي – و إن كان هذا الخطاب مهم إلا أن له مكان – الذي يسهم في صناعة الذهنية الانقلابية على الأوضاع لا على مستوى الدولة و فقط بل على مستوى الأسرة كذلك ..
و كم من الشباب عقوا آباءهم و دخلوا معهم في صراعات طاحنة لأنهم سمعوا من خطيب من الخطباء كلاما عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فأرادوا أن يأمروا بالمعروف في أسرهم لكن من غير حكمة و روية فحاصرتهم أسرهم حصارا لا يبعث إلا على اليأس و التولي عن هذا الفعل الحسن ، فهم بنية صادقة خالصة أرادوا الخير لأسرهم ، لكن نقصهم العلم و الخبرة و الدربة ، وهذا الأمر لا يكون بالخطاب الدعوي الديني الروائي الذي يجعل الشاب يعيش في عالم شخصيات مثالية لم تصل إلى ذلك المستوى إلا بجهد جهيد ، بل يكون هذا الأمر بالرعاية و التدريب و العناية …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دعويات | السمات:دعويات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أكتوبر 9th, 2006 at 9 أكتوبر 2006 11:16 ص
أولا: لماذا لا تشارك بإدراج من أفكارك اليانعة في الدفاع عن رسول الله صلى اللله عليه و سلم و ذلك بمدونة فريق عمل مدونة محمد رسول الله ؟
ثانيا: إني أدعو إلى إنشاء هيئة أممية تعمل بما أنزل الله، فما رأيك ؟